header
أحدث المقالات

خاطرة بعنوان وتبكين كالأطفال يا فلسطين الحرة من كتاب البستان

خاطرة بعنوان وتبكين كالأطفال يا فلسطين الحرة من كتاب البستان

وتبكين كالأطفال يا فلسطين الحرة

    

يا ذات الجبين الأبيض والصدر الموشوم عليه اسمي حبك الأكبر

ويشهد الله إن حبي لك أكبر

يحرق اليابس وحتى الأخضر

يا من ترتدي معطفاً خمرياً ومطرز

وهل لمراكبي ميناء غير ساحلك المبجل فيه تزهو وتتمختر

يا ذات الوجه الأجمل في كل يوم تشرق عليه الشمس تمطر

وحين أهمس لشفاهك المخملية

أرى الورود الجميلة تغني باسمنا طرباً وترقص

ومعصمك الذي يزينه سوار ذهبي فرعوني مقنطر

لم يقدر على مواجهة الطوفان

فأصبح راهباً عالماً بالأديان

يداوي العشاق بالإنجيل والقرآن

يذرف الدمع الغزير من شدة الجفا المتعمد

فحبك له حب عقيم محرم

معذب شقي لا تفارقه الآهات والآلام الجسام

فقلبك لا يهوى سواي من الرجال والعبيد والأطفال

معذبته أنت

تحاصره الآهات وتعصره الآلام وتحرقه الذكريات

يحيا حياة مشوبة بالأكدار والأحزان

خاطرة تبكين كالاطفال يا فلسطين

من شدة الشوق والوجد والحرمان

 

وحين أقدم على لثم يديك

أرى سرب الطير من حولي تزغرد بصوت رقيق

فيه دفء وحنين

وتهديني باقة من ورود الفل والياسمين

لامرأة ما عرفت يوماً طريق الخيانة ولا حملت في قلبها كرهاً ككرهها للخائنين

ولأزين بها عنق أجمل امرأة لم ينس التاريخ المعاصر ذكرها بعد أن قدست في سطور الأقدمين

في صفائح بيض نقش اسمها واستنار ولمع فأصبحت شمعة منيرة تضيئ طريق الحيارى من بائسين ومشردين

دون أن تنتظر التقدير والرد على الجميل بالجميل

وترحل الطير وهي تهمس لي بكلمات من الشكر والتقدير

على وفائي لك في هذا الزمن العصيب

 

وتجمعنا ليالٍ دافئة صيفية

وأخرى قارصة شتوية

وأنا أقص عليك تاريخي الحافل بالمجد والفروسية

ونحيا كالعصافير أحلاماً ورديه

نحلم بأوهام ربيعية

نحلم بمستقبل مشرق يزلزل كيان القيد والعبودية

وإن بعدت بيننا الشقه والمسافات

وإن أفسد أيامنا الحلوة الدهر والحمقاء

ستبقى أرواحنا على اتصال

في الأرض كانت أم في السماء

فأنت لا تنسي أيام الود والصفاء

 

يا عنيدة أنت كفرس أصيلة جاءت من أرض بعيدة اذا أطلق لها العنان حاربت قوى البغي والعدوان

وسائر أشكال الإجرام

لأنك بلا شك تملكين صوتاً جهورياً لا يخنع للباطل والعدوان أو أحفاد الشيطان

وروحاً جهادية تتفانى في التضحيه والفداء

وعقلاً ينادي بالحرية ونكران الذات

وإحلال الحق والخيرات

والبعد عن الجور والبغضاء

 

وعلى رمال الشاطئ الحيران

تبكين كالأطفال

وتدعين الله أن يهديني ويهدي الأحبة من المعشوقين والعشاق

ولأنك حرة أبية

ولأنك حاملة هموم البشرية

وحريصة على أمور الرعية

يصفونك بأنك امرأة نرجسية

 

وتبكين كالأطفال

فهم في مسار وأنت في مسار

فهم لا يفقهون أن شعورك نحوهم ليس فيه زيف ولا افتراء ولا بهتان

وما يحمله قلبك الكبير لهم من حب وحنان 

فقلبك عظيم لا يعرف النكران

 

وتبكين كالأطفال

جاهدة تحاولين وأنت تسعين بكل تفانٍ وإخلاص

لجعل حياتهم كريمة عامرة بالشرفاء

وبرسم ابتسامة تعمر الشفاه

لكنهم يهزؤون ويلمزون ويهمسون

ويمكرون ويسخرون

ولا يتورعون عن الثرثرة والتجريح

ولا يكفون عنك الأذى والتنكيل

فعيونهم البغيضة جوعى ترمقك بكل ازدراء

ولسع كلامهم كبرد الشتاء

قلوبهم سوداء

تقطر بالحقد والبغضاء

 

وتبكين كالأطفال

فصنيعك لا يلقى بالإحسان

بل بالتذمر والاستهجان

فنهجهم بغيض كنهج شيطان

 

وتبكين كالأطفال

ويبررون أن سعادتهم تكمن في كنز الثروة والأموال

ولو استطاعوا أن يعرضوك كتحفة أثرية في سوق النخاس

 لما ترددوا في ذلك ولو بأبخس الأثمان

وتقاومين ببسالة كالأبطال

وبعزة وكبرياء النبلاء

لاستئصال بذرة الخبث من جذورها ليهزم الأشرار

وتوأد الأحقاد

 

ولأنك الرؤوفة بالمساكين والضعفاء

تبكين كالأطفال

ولا تستطعين مواجهة الأقدار والأكفان

ويجرفك التيار إلى منطقة نائية تعمها المعاصي والمنكرات

قوم يتفاخرون فيها بالرذيلة وارتكاب المحرمات

ولأنك امرأة وحسناء

 تاجها الأنفة وكرامتها من كرامة الأنبياء

جمال لباسها في حسن عفافها وكمالها في تمام الأخلاق

أقسموا أن يقدموك كبش فداء للإله

تكفيراً عن ذنوبهم وخطاياهم السوداء

فقد غلب عليهم الاستخفاف بك وبالأحرار

وهم يحاكمونك علي يدي شرطي وضيع

بالجرم العظيم كان متلبساً وعليه شهود

كانت تلفيقة كانت تلفيقة

 

ولأنك ملاك بريء لا يحمل الكره والبغضاء

ينفونك تحت الأنفاق

في سجن يغص بالأوغاد

 

وتبكين كالأطفال

وهم يقيدون حريتك كطير جميل في قفص من الأشواك

ويقتلونك ويحرقونك ويصلبونك ويمثلون بك ألف مرة على ألواح من الأخشاب

وأنت كبركان ثائر

لا يهدأ ولا ينام ولا يرضخ للاستسلام

 

وتبكين كالأطفال

وهم يقتلون في عينيك الجميلتين 

حديقة الورود

وحسن الوجود

وجمال الغروب

وتبكين كالأطفال

وهم يقتلون في عينيك براءة وضحكة طفل مسرور

في أحضان أمه يلهو بالملاعق والصحون

 

وتبكين كالأطفال

لأن هذا جزاء من تمرد على البغي والعدوان

ومزق راية الظلم والطغيان

 

وتظلين على أي حال في هذا الزمان الفاسد تولولين

وأنت كالأطفال تبكين وتنحبين

زمان عفن كريه فيه خبث ومكر وتدجيل

كله شر كله نفاق

شعاره الظلم والبؤس المنحوت على وجه الأحرار

وقهر وبكاء فيه دموع وانهزام

وخيبة الأمل والرجاء

واللعنة التي تلاحقهم في كل زمان ومكان

ولتحيا عصبة الأذناب والأنذال

على ظهور الأعزاء والشرفاء

وليسلب قطاع الطرق عرقنا الذي يروي تراب وطننا

وثوبنا الذي نستر به عورة جسدنا

ففي كل يوم تدفن وتحطم وتقهر وتذل فيه طموحات وآمال الشباب

ويصرخون صراخاً تتفطر له الأكباد

فهم في يأس وانكسار وقيد واضطهاد

لأنك جعلت أرواحهم وطنيه تتعدى حدود الأقاليم والقبليات

وأصواتهم تعلو على أصوات العصبية والنعرات

ويشاركهم البكاء

الكهول والأطفال

ويصرخون جميعاً صرخة رجل أعياه جور الزمان

ونفذت إلى قلبه طعنة من يد جبان

كل ذلك لأنهم أخلصوا للوطن

الوطن الذي بحبه ترتقي الحضارات والأمم

يحاربوننا ويطاردوننا بسهام مسمومة لا تبقي ولا تذر

وعلى جهنم نساق جميعاً وكأننا قطيع من الغنم

ويسخرون من الحرية وهم يسحقون الحريات

فلهم وسائلهم في كبت الأرواح

وتزييف الحقائق والأوراق

وتضليل العامة من الناس

بتصريحات مليئة بالتفاهات

وهي ليست لها قيمه تذكر سوى على مسرح الكوميديا والنكات

ويخجل من ذكرها طفل مهبول

عاش ردحاً من الزمن بين ذوي الألباب والعقول

وينبحون نباح الكلاب

ويصفونها بأنها قوانين وتشريعات

لصالح من يكدحون لطلب الخبز في الليل والنهار

والحل السحري لمآزقهم المتفاقمة على أيدي أولاد الحرام

وما يسمَّون بالحيتان الكبار

ولكن الأقدار تقف لهم بالمرصاد

فلا دائم على وجه الكون سوى الواحد القهار

 

وتخاطبين نفسك وقد بيعت مراراً

ما خطبك وهل لمثلك شأن للعذاب والتأنيب

أيا نفساً سقيت بلاءً وابتلاء

بأرض موطن أكثر منه بأوطان الغريب

أناجيك يا نفسي معتابة مقهورة

وصوت دفين أجبر على الكتمان والنحيب

لماذا وكيف ومتى وأين أنا

صرت من زمان أصبح غناؤه نعيقاً للغراب

أسائلك بلغة الاستفهام محتارة

تردين حيرتي مبهماً بآلاف الجواب

 

وتمر لحظات من دقائق وساعات

وتليها شهور وسنون وزمان عصيب

وأنت كالحديقة الغناء

تجاورك الطيور وهي تصدح بأحلى الأهازيج والألحان

وأنت كالورد الجميل تنشرين أطيب رائحة بين الأحبة والعاشقين

وتملئين الجو أغاني وعطراً من الجنة ليس له مثيل

وأنت كالورد الجميل

تبهجين العين وتريحين النفس والقلب العليل

ولكن تحاك ضدك المؤامرات

وتحاوطك الأشواك بلا رحمة وضمير

وتنامين وتفيقين على البكاء المرير

حتى أصبحت كالطفل الرضيع

الذي لا يميز بين العدو والصديق

وتذبلين وتموتين وأنت بسيف الحق تقاتلين

 

ولأنك امرأة جاءت من زمن الخرافات والأساطير

ترحلين وأنت سائمة من حياة كدر صفوها الجشع وسيطر عليها الطمع وحب الذات

وتقطعين القارات

وتعبرين المحيطات والأنهار

وتستقرين وتسكنين أرض الشام والحجاز

وتتعبدين وتصلين وتدعين

وأنت في محراب الأقصى والبيت الحرام تجاورين

وتبكين كالأطفال

لأنك ملاك بريء لا يحمل الكره والبغضاء

ستبقين وسيبقى نورك مشرقاً مشعاً في الأكوان

لا تنافسك في ذلك نور الشمس والأقمار

ويظل يتدفق من قلبك الحنان

الذي تحمله الرياح كعطر مزج برائحة المسك والزعفران  

 

00:00
00:00